الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
12
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
أعمالا إيجابية . وهذا التغير في القيم ، أو اضطراب المعايير في نظر الإنسان ، يؤدي إلى الحيرة في متاهات الحياة . . . وهو من أسوأ الحالات التي تصيب الإنسان . والذي يلفت النظر أن " التزيين " في الآية محل البحث - وفي آية أخرى من القرآن ، وهي الآية ( 108 ) من سورة الأنعام ، نسب إلى الله سبحانه ، مع أنه نسب في ثمانية مواطن إلى الشيطان ، وفي عشرة أخر جاء بصيغ الفعل المجهول ( زين ) ولو فكرنا بإمعان - وأمعنا النظر ، لوجدنا جميع هذه الصور كاشفة عن حقيقة واحدة ! فأما نسبة التزيين إلى الله ، فلأنه " مسبب الأسباب " في عالم الإيجاد ، وما من موجود مؤثر إلا ويعود تأثيره إلى الله . أجل ، إن هذه الخاصية أوجدها الله في تكرار العمل ليتطبع عليه الإنسان . . . ويتغير حس التشخيص فيه دون أن تسلب المسؤولية عنه ، أو أن تكون نقصا في خلقة الله أو إيرادا عليه ( لاحظوا بدقة ) . وأما نسبة التزيين إلى الشيطان ( أو هوى النفس ) فلأن كلا منهما عامل قريب وبغير واسطة للتزيين . وأما مجئ التزيين بصورة الفعل المبني للمجهول ، فهو إشارة إلى أن طبيعة العمل يقتضي أن يوجد - على أثر التكرار - حالة وملكة وعلاقة وعشقا ! ! ثم تبين الآية التالية نتيجة " تزيين الأعمال " وعاقبة أولئك الذين شغفوا بها فتقول : أولئك لهم سوء العذاب . فهم في الدنيا سيمسون حيارى آيسين نادمين ، وسينالون العقاب الصارم في الآخرة وفي الآخرة هم الأخسرون . والدليل على أنهم في الآخرة هم الأخسرون ، ما جاء في الآية ( 103 ) من سورة الكهف قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة